تأملات في سورة المسد.. حين تعيد ترتيب معايير الحياة

د. رنا حصوة

سورة المسد.. حين نراجع معاييرنا في الحياة

تحمل سورة المسد، على قصر آياتها، معاني تربوية وتزكوية عظيمة، تدعو الإنسان إلى مراجعة معاييره في الحياة، والنظر فيما يعظّمه ويقدّمه، وما يحكم به على نفسه وعلى الناس. فهي لا تخبرنا عن مصير أبي لهب وامرأته فحسب، وإنما تضع أمامنا جملة من المعاني التي تستحق أن نقف عندها طويلًا، وأن نحاكم أنفسنا في ضوئها.

قال الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ۝ مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ۝ سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ۝ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ۝ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: ١-٥].

من أول ما يستوقفنا في السورة أنها من دلائل صدق نبوة محمد ﷺ، فقد نزلت وأبو لهب وامرأته ما زالا على قيد الحياة، ومع ذلك لم يعلنا الإيمان، ولو على سبيل محاولة تكذيب ما أخبر به القرآن عن مصيرهما! فسبحان الله العظيم العليم!

معايير الحياة.. كيف تتشكل؟

لعل من أعظم المعاني التي تستوقفنا في السورة أنها تعيد بناء معايير النفس، وتضبط نظرتها إلى الحياة والناس والأحداث؛ معايير القبول والتميز، والنجاح والإنجاز، والربح والخسارة، والأولويات والعلاقات البشرية، وما الذي له قيمة عند الله تعالى، وما الذي لا قيمة له عنده سبحانه.

ومن هذه المعايير معايير الجمال وأهميته وأثره؛ فأبو لهب كان يُكنى بذلك لما قيل في إشراق وجهه وحمرته، ومع ذلك جاءت السورة بكنيته نفسها التي كانت تدل على جماله، لتعلن خسرانه، وتخبر عن النار التي سيصلاها. وامرأته أم جميل، التي عُرفت بمكانتها وزينتها، جاء ذكر جيدها، وهو العنق الذي يُعد موضعًا من مواضع جمال المرأة وزينتها، في سياق العذاب والإهانة: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾.

ومن المعايير كذلك معيار القرابة حين يتعارض مع معيار الإيمان؛ فأبو لهب كان عم النبي ﷺ، ولكنه ناصبه العداء ورفض الإيمان، فلم تنفعه قرابته ولم تُغنِ عنه شيئًا حين اختار الكفر على الإيمان، ولم تمنع أن تنزل فيه سورة تتلى إلى يوم القيامة.

وكان لأبي لهب من المال والولد ما يرى كثير من الناس أنهم يرتفعون به، ويستمدون منه المكانة والقيمة، ولكن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾. فالجمال، والمال، والولد، والجاه، والقرابة، كلها لم تغن عنه شيئًا، ولن تغني عن الإنسان شيئًا إن ناصب الله تعالى ورسوله ﷺ العداء، وأصر على الكفر والإعراض!

وهنا تبرز جملة من الأسئلة التي تستحق أن يحاكم الإنسان نفسه في ضوئها: ما طبيعة المعايير التي يؤمن بها وينطلق منها؟ وما المهم عنده حقًا؟ وما الذي يعلي شأن الناس والأحداث في نظره؟ وما أولويات العلاقات لديه؟ وعلى أي أساس يحدد النجاح والخسارة، والقيمة والمكانة؟ هل ينطلق من المعايير التي يضبطها الوحي، أم من معايير الهوى أو تلك التي اعتاد الناس أن يتعاملوا بها؟

الحكم لله تعالى.. والخسارة الحقيقية في الآخرة

تلفت السورة النظر إلى معنى عظيم، وهو أن الحكم لله سبحانه وتعالى؛ فمن حكم الله تعالى عليه بالخسارة فهو خاسر، ولو تحدثت عنه الدنيا كلها، ولو كان مشهورًا عند الناس، ولو امتلك من أسباب القوة والمكانة ما امتلك.

فالخسارة الحقيقية هي الخسارة عند الله تعالى؛ فقوله سبحانه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ جاء فيه الفعلان بصيغة الماضي، تقريرًا لخسرانه وتحققه، مع أن مصيره الأخروي لم يكن قد وقع بعد. فليست أحوال الإنسان الظاهرة في الدنيا هي الحكم النهائي عليه، وإنما المصير الحقيقي هناك، في الآخرة.

وكم نحتاج إلى استحضار هذا المعنى ونحن ننظر إلى من حولنا، ونتأثر بمكانتهم وشهرتهم ونجاحاتهم الظاهرة! وقد نسير خلفهم ونتبعهم لأجل ذلك، ولكن السورة تعلمنا أن الشهرة بين الناس ليست ما ينبغي أن نسعى إليه، وإنما أن تكون لنا منزلة عند الله سبحانه وتعالى.

المال والولد.. وسائل أم غايات؟

﴿مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾؛ المال والولد من أعظم ما يتعلق به الإنسان في هذه الحياة، ولكنهما في الأصل ينبغي أن يكونا وسيلتين تعينانه على تحقيق العبودية لله تعالى، لا غاية الحياة. ومهما عظمت قيمتهما في حياة الإنسان، فإنهما لا يغنيان عنه من الله سبحانه وتعالى شيئًا إن أعرض عن الإيمان والطاعة.

وهنا نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا عن قيمة المال والولد في حياتنا، ومدى تعلقنا بهما، وكم مرة قدّمنا ما يتعلق بهما على أمر من أوامر الله تعالى، وكم مرة أعاقنا هذا التعلق عن طاعة أو واجب، وإلى أين تتجه أهواؤنا حين تتعارض رغباتنا لأنفسنا أو لأولادنا مع ما يرضي الله سبحانه وتعالى؟

إنها أسئلة تحتاج إلى صدق مع النفس، لا إلى إجابات سريعة نطمئن بها إلى أحوالنا.

وضوح الهوية.. لا مداهنة على حساب الدين

من المعاني التي تستوقفنا في السورة وضوح القرآن الكريم في بيان الحق، دون أن تكون للقرابة أو المكانة الاجتماعية اعتبار حين تتعارض مع الإيمان بالله تعالى. فقد نزلت السورة في عم النبي ﷺ، وأعلنت خسرانه ومصيره، دون مداهنة أو مجاملة. وهذا يدعونا إلى مراجعة مواقفنا من الحق، ومدى وضوح هويتنا وثباتنا عليها.

وهنا تبرز أسئلة تتعلق بوضوح هوية الإنسان، ومدى اعتزازه بها ودفاعه عنها، وموقفه حين يُنتقص من دينه، ومدى استعداده للثبات على الحق دون مداهنة مراعاة لهوى أو مصلحة، ولو كان ذلك على حساب دينه، وتمتد الأسئلة إلى ما يبحث عنه الإنسان حقًا في حياته، وما يريد الوصول إليه، وما يسعى إلى تحقيقه، وما يعدّه نجاحًا يستحق أن يبذل عمره من أجله.

ويحتاج الإنسان إلى جلسة صادقة مع نفسه في ذلك كله، فالموضوع ليس أمرًا عابرًا، وإنما هو موضوع حياة وموت، ومصير أبدي. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، فالحياة الحقيقية هي حياة الآخرة.

الصحبة والقرابة.. معينات على الحق أم الباطل؟

﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. لم يكن أبو لهب وحده في موقفه من النبي ﷺ، بل كانت امرأته شريكة له في الأذى والعداوة، تعينه على ما هو فيه.

وهنا تأتي محاكمة أخرى للنفس، تتعلق بالصحبة والقرابة والعلاقات التي يحيط الإنسان نفسه بها، ومدى كونها معينة على الحق أو على الباطل، وكذلك ما إذا كان الإنسان نفسه معينًا لمن حوله على الحق، أم مشاركًا لهم في الباطل ومعينًا عليه.

وهذا المعنى يمتد إلى تفاصيل حياتنا وعلاقاتنا ومواقفنا اليومية، وما نقدمه من عون للآخرين، وما نشاركهم فيه من أعمال ومواقف.

الجزاء من جنس العمل

﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ۝ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾؛ نتأمل هذا المشهد، وما فيه من ذل وعذاب بعد ما كانت عليه هذه المرأة من مكانة ورفاهية، وقد كانت شريكة لزوجها في أذية النبي ﷺ وعداوته، وورد في تفسير السورة أنها كانت تمشي بالنميمة والإيقاع بين الناس.

وفي هذا ما يدعو إلى استحضار عواقب الأعمال، وأن الجزاء من جنس العمل؛ فكم من كلمة تُقال ثم يمضي صاحبها، ولا يلتفت إلى أثرها في نفس من سمعها، أو إلى ما قد يترتب عليها من أذى! وكم من موقف كان يمكن أن يُلتمس فيه العذر للآخرين، فيختار الإنسان بدلًا من ذلك الحديث عنهم، أو نقل كلام يفسد علاقاتهم بغيرهم!

وكم من أعمال نراها صغيرة، ونستهين بها، مع أن لها تبعات عظيمة قد لا نطيق حملها يوم القيامة!

كم من صور أبي لهب وأم جميل في زماننا!

حين نتأمل سورة المسد، نكاد نرى صورًا من معانيها تتكرر حولنا؛ فكم من إنسان اجتمعت له أسباب الشهرة والمال والجاه، ولكنه سخّرها في محاربة الحق أو نشر الباطل! وكم ممن يحيطون به ويعينونه، يؤدي كل واحد منهم دوره، كما كانت أم جميل تعين أبا لهب!

تختلف الأزمنة والأمكنة والأسماء والوسائل، ولكن صور الباطل والإعانة عليه تتكرر. وليس المقصود أن نحكم على مصائر أشخاص بأعيانهم، فذلك إلى الله سبحانه وتعالى، وإنما أن نرى هذه المعاني في واقعنا، وأن نحذر من أن يكون لنا نصيب من ذلك.

فليس المقصود من قراءة سورة المسد أن نعرف قصة أبي لهب وامرأته فحسب، وإنما أن نتعظ بما أخبرنا الله سبحانه وتعالى عنهما، وأن نعيد النظر في المعايير التي نحكم بها على أنفسنا وعلى الناس، وفي أولوياتنا وعلاقاتنا وأعمالنا، وأن نحاكم أفكارنا وتوجهاتنا في ضوء ما قرأنا.

نعوذ بالله سبحانه وتعالى من الخسران، ومن أن نكون عونًا على باطل، أو سببًا في صد أحد عن الحق، ونسأله أن يصلح معاييرنا وأعمالنا، وأن يجعلنا من الفائزين عنده.

شارك المقال

واتساب فيسبوك تيليغرام

كيف وجدت المقال؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *