الفاتحة… وبناء أسس المعرفة..

د. رنا حصوة

أسئلة كبرى..

هناك أسئلة كبرى تلازم الإنسان في رحلته في الحياة: من هو خالقي؟ من أنا؟ لماذا أنا هنا؟ بمن أستعين؟ وأي طريق أسلك؟ واللافت أن سورة الفاتحة، في آياتها القليلة التي يكررها المسلم في صلاته كل يوم، تضع أمامه أصول الإجابة عن هذه الأسئلة جميعًا. وكأن أول ما تعلمه الفاتحة للإنسان أن الطريق إلى فهم نفسه وحياته لا يبدأ من نفسه، بل يبدأ من المعرفة بالله تعالى.

أول المعرفة: أن تعرف من تعبد

تبدأ الفاتحة بقوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فأول تعريف يقدمه الله جل في علاه لنفسه أنه الله سبحانه؛ المعبود بحق، الذي لا معبود سواه، والذي يألهه العبد فيحبه ويطيعه ويخضع له، وهذه المعرفة لا تقدم للإنسان إلهًا تقوم علاقته به على الرهبة وحدها، بل تأتي منذ البداية: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فهو الإله المعبود الرحيم الرحمن جل في علاه؛ فهو الإله بحق، المستحق للعبادة، ولكنه الرحيم بك في كل ما تتطلبه تلك العبودية.

ربك ورب العالمين ..

ثم تكمل الفاتحة التعريف بالله عز وجل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فالعلاقة بالله سبحانه ليست علاقة انفصال ولا استغناء؛ بل هو ربك، وخالقك، ومدبر أمرك، ورازقك. ولست وحدك في هذا الكون؛ فكل ما فيه داخل في معنى ﴿الْعَالَمِينَ﴾، والله تعالى رب الجميع. واستحق لذلك الحمد المطلق سبحانه.

فإذا كان الله سبحانه هو رب العالمين، فأنت واحد من هؤلاء العالمين؛ أنت لست مركزًا لهذا الكون، ولست قائمًا بنفسك، ولست مستغنيًا عن ربك. وهذه المعرفة تورث الإنسان تواضعًا في نظرته إلى نفسه، وتمنحه توازنًا في علاقته بذاته وبمن حوله.

الرحمة تحيط بعلاقة العبد بربه

ثم تعود الفاتحة مرة أخرى إلى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وكأن الرحمة تحيط بهذا التعريف كله. فحين عرّف الله تعالى نفسه بأنه الله سبحانه، جاء وصفه بالرحمن الرحيم، وحين عرّف نفسه جل في علاه بأنه رب العالمين، أعقب ذلك مرة أخرى بقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).

فالرب الذي يدبر أمرك، ويملكك، ويرعاك، ليس ربًا تقوم علاقتك به على الخوف المجرد، بل هو الرب الرحمن الرحيم. ومن هنا تنشأ علاقة تجمع بين التعظيم والمحبة؛ فمعرفة الله عز وجل بهذه الصفات ليست معرفة ذهنية مجردة، بل معرفة يُعاد بها تشكيل علاقة العبد بربه.

الرحمة لا تلغي المسؤولية

ثم تأتي: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. فمع كل الرحمة التي عرّف الله سبحانه بها نفسه، لا ينبغي للإنسان أن يغفل عن مسؤوليته؛ فالله جل وعلا مالك يوم الدين، وسيأتي يوم يحاسب فيه المكلَّفون على أعمالهم، ومن رحمته تعالى بعباده أنه عدل لا يظلم أحدًا.

وهنا تصنع الفاتحة توازنًا دقيقًا في قلب المسلم؛ يعرف ربه رحمنًا رحيمًا فلا ييأس، ويعرفه مالك يوم الدين فلا يغفل عن مسؤوليته. فلا تجعله الرحمة يتهاون في العمل، ولا يجعله استشعار الحساب ينسى سعة رحمة الله تعالى. وهذا التوازن كله تحمله سورة قصيرة يكررها المسلم في يومه مرارًا، ولذلك جاء في الحديث وصفها بأنها السبع المثاني والقرآن العظيم.

حين أعرف الله… أعرف من أنا

لا تتوقف الفاتحة عند الإجابة عن السؤال: من هو الله سبحانه؟ بل إن هذا التعريف نفسه يقود مباشرة إلى سؤال آخر: من أنا؟

فمن عرف أن الله تعالى هو الله سبحانه، والرب المدبر، والرحمن الرحيم، ومالك يوم الدين، عرف في المقابل حقيقة نفسه؛ عرف أنه عبد مرحو، وأنه مخلوق ضعيف محتاج، ومرحوم في ذلك مرة أخرى، ومفتقر إلى الله عز وجل، وجزء من العالمين الذين يتشرفون بأن الله تعالى هو ربهم وخالقهم وإلههم.

وهنا تضع الفاتحة أساسًا للإجابة عن واحد من أكثر الأسئلة الوجودية إلحاحًا على الإنسان: من أنا؟ فالهوية لا تبدأ مما يراه الإنسان في نفسه، ولا من موقعه الاجتماعي، ولا من الأدوار التي يؤديها، وإنما تبدأ أولًا من علاقته بخالقه سبحانه. أنا عبد لله تعالى، مخلوق له جل وعلا، مربوب له سبحانه، مفتقر إليه عز وجل. ومن هذه القاعدة تتسع بقية معاني معرفة النفس التي يبينها القرآن الكريم في مواضع أخرى.

ثم تعرفك الفاتحة لماذا أنت هنا

بعد أن عرّفت الفاتحة بالله تعالى، وعرّفت الإنسان بنفسه، تنتقل إلى المهمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. وهنا تأتي الإجابة عن سؤال: لماذا أنا هنا؟ والجواب: للعبادة.

وبهذا لا تبقى الحياة مجموعة أعمال منفصلة لا رابط بينها، بل يعرف المسلم لماذا يفعل ما يفعل، وما الغاية النهائية التي ينبغي أن تنتظم حولها حياته. فكل ما يقوم به في حياته اليومية ينبغي أن يرتبط في النهاية بتحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى، وهذا يجعل العبادة ليست جزءًا محدودًا من الحياة، وإنما الأصل الذي تنتظم تحته أعمال الإنسان واختياراته.

ومن أعبد سبحانه… به أستعين

وفي الآية نفسها: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. تعرّف الفاتحة الإنسان بمن يلجأ إليه؛ فالعبد الذي عرف ضعفه وافتقاره، وعرف المهمة التي خُلق لها، لا يُترك ليقوم بها معتمدًا على نفسه، بل يعرف أن استعانته بالله تعالى.

وهذا المعنى يعيد ضبط علاقة الإنسان بمن حوله؛ لأنه يحرره من التعلق بالخلق، ويعيد أصل الاستعانة إلى الله جل وعلا. فالإنسان يتعامل مع الآخرين، ويأخذ بالأسباب، ويعيش بينهم، لكنه يعرف في أصل قلبه أن افتقاره واستعانته بالله سبحانه. وهذا من أعمق آثار معرفة الإنسان بنفسه: أن يعرف أنه محتاج، وأن حاجته الأولى إلى ربه عز وجل.

والهداية حاجة لا تنتهي

ثم تأتي: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. وبعد أن عرّفت الفاتحة الإنسان بربه سبحانه، وبنفسه، وبمهمته، وبمن يستعين، تعرّفه أيضًا بحاجته المستمرة إلى الهداية.

فالإنسان لا يستغني عن أن يسأل الله تعالى الطريق، بل يكرر هذا الطلب في كل صلاة. وهذا يعني أنه لا يعرف الطريق من تلقاء نفسه، ولا يستغني بعد معرفته عنه سبحانه وتعالى، وإنما يظل دائم الحاجة إلى أن يهديه الله جل وعلا.

ومعرفة الطريق تشمل معرفة أهله

ولا تكتفي الفاتحة بطلب الهداية إلى الطريق: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، بل تعرّف المسلم أيضًا بمن يسير معهم، وبمن يحذر من التشبه بهم: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.

فالإنسان لا يعيش منفصلًا عن الناس، بل تحيط به طرائق ومناهج ونماذج متعددة. والفاتحة تعلمه أن يعرف مع من يريد أن يكون، ومن الذين يحذر أن يسلك سبيلهم. وبهذا لا تمنحه فقط تعريفًا بذاته، بل تساعده كذلك على تحديد موقعه بين من حوله بناء على معايير وضعها الوحي له.

الفاتحة… تعريف بالله وتعريف بالإنسان

حين نجمع معاني الفاتحة، نجد أن السورة تقدم بناءً متكاملًا للمعرفة. تعرّفك أولًا: من هو الله سبحانه؟ الله جل وعلا، الرحمن الرحيم، رب العالمين، مالك يوم الدين. ثم من خلال ذلك تعرّفك: من أنت؟ عبد مخلوق، ضعيف محتاج، مرحوم مفتقر إلى ربه سبحانه، جزء من العالمين، ومسؤول عن عمله.

ثم تعرّفك لماذا أنت هنا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وبمن تستعين: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وأي طريق تسلك: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، ومع من تريد أن تكون: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وممن تحذر: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.

وهكذا تختصر الفاتحة، في آياتها القليلة، كثيرًا من الأسئلة الكبرى التي يبحث الإنسان عن إجاباتها طوال حياته. وربما هنا نفهم لماذا لا تكون معرفة الله تعالى بابًا منفصلًا عن معرفة النفس؛ فكلما عرف الإنسان ربه سبحانه على الوجه الصحيح، عرف نفسه على الوجه الصحيح، وكلما اتضحت له حقيقة نفسه اتضحت مهمته، وكلما أدرك مهمته أدرك حاجته إلى الاستعانة، وكلما عرف ضعفه وافتقاره ازداد طلبًا للهداية.

ومن هنا تبدأ الرحلة: أن تعرف الله جل وعلا، فتعرف من أنت، ولماذا أنت هنا، وبمن تستعين، وإلى أي طريق تريد أن تهتدي.

شارك المقال

واتساب فيسبوك تيليغرام

كيف وجدت المقال؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *