ماذا يتغير حين تصبح النجاة هدف الزواج؟

د. رنا حصوة

أنت وزوجك في امتحان

حين نتحدث عن الزواج، غالبًا ما يذهب الحديث إلى المودة والرحمة والسكن، وإلى الحقوق والواجبات، وإلى حسن الاختيار والتوافق والقدرة على إدارة الخلافات. وكل ذلك مهم، لكن ماذا يتغير حين تصبح النجاة هدف الزواج؟ هنا يظهر معنى أسبق يمكن أن يعيد ترتيب نظرتنا إلى العلاقة الزوجية كلها: أن يتذكر الزوجان أنهما، قبل كل شيء، عبدان لله تعالى، ويعيشان هذه العلاقة ضمن الامتحان الأكبر الذي خُلق الإنسان من أجله في هذه الحياة. ولعل من اللافت أن أول حديث في القرآن عن آدم وزوجه جاء مقرونًا بهذا المعنى؛ قال الله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 35].

﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾؛ هما معًا، يسكنان معًا، ويعيشان معًا، لكنهما أيضًا أمام أمر ونهي، وأمام اختبار ومسؤولية. وكأن بداية قصة الزوجية نفسها تضع أمامنا هذا المعنى: أن الزوجين لا يبدآن طريقًا هدفه فقط أن يعيشا معًا، وإنما يبدآن طريقًا عليهما أن ينجحا فيه معًا.

الزواج ليس ساحة لإثبات من الأفضل

كم من المشكلات الزوجية تبدأ من سؤال خفي لا نشعر به: من الذي انتصر؟ من الذي تنازل؟ من قدّم أكثر؟ من أخطأ أولًا؟ لماذا أبدأ أنا؟ ولماذا أعتذر وأنا لم أكن المخطئ الأكبر؟ ثم تتحول العلاقة شيئًا فشيئًا إلى نوع من الندية؛ يحسب كل واحد ما قدّم، ويراقب ما أخذه، ويقيس تنازلاته بتنازلات الآخر، وربما صار همُّ كل طرف ألا يخسر موقعه في العلاقة.

لكن ماذا لو تغيّر السؤال أصلًا؟

ماذا لو تذكّر الزوجان أنهما ليسا خصمين، وإنما اثنان يخوضان امتحانًا واحدًا، وأن كليهما يريد النجاة؟

هنا تتغير أشياء كثيرة. فأنا لا أحتاج أن أهزم زوجي حتى أنجح، ولا يحتاج هو أن ينتصر عليّ حتى يثبت أنه على حق. نحن بدأنا الطريق معًا، وكل واحد منا يحتاج إلى الآخر ليعينه على أن يكون أقرب إلى ما يرضي الله تعالى.

وهذا هو المعنى الذي يجعل فكرة ﴿أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ أعمق من مجرد اجتماع رجل وامرأة في بيت واحد. إنهما يسيران معًا، ويُختبران معًا، ويحتاج كل واحد منهما أن يعين الآخر على الإصلاح والنجاة. وحين تدخل هذه الفكرة إلى العلاقة، تخف مساحة العناد والندية وسوء الظن، وتكبر مساحة التغافل، والتنازل، والرغبة في الإصلاح؛ لأن الهدف لم يعد: من منا أفضل؟ وإنما: كيف ننجح في هذا الامتحان؟

كل ما في الحياة الزوجية ابتلاء

والمشكلة أننا كثيرًا ما نفهم الابتلاء باعتباره فقدًا فقط؛ مرضًا، أو ضيقًا، أو مشكلة، أو حرمانًا مما نحب.

لكن القرآن يوسع هذا المفهوم؛ قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]. ويقول سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: 165]؛ ﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾، فالامتحان ليس فقط فيما فقدناه، وإنما أيضًا فيما أُعطيناه.

الزوج الصالح ابتلاء، والزوجة الصالحة ابتلاء، والأبناء ابتلاء، وعدم وجود الأبناء ابتلاء، وسعة الرزق ابتلاء، وضيقه ابتلاء، والعمل ابتلاء، والبيت ابتلاء، وكل التفاصيل التي نعيشها داخل الأسرة هي مواضع ابتلاء؛ ليرى الله تعالى كيف نعمل فيها، وهل نسعى فيها إلى الأحسن عملًا!

ففي ابتلاء العطاء: هل نشكر؟ هل ننسب الفضل لله تعالى؟ هل نحسن استعمال ما أعطانا؟

وفي الفقد: هل نصبر؟ هل نرضى؟ هل نحسن التعامل؟ وهل يعين أحد الزوجين الآخر على تجاوز الابتلاء بما يرضي الله سبحانه؟

وحين يدرك الزوجان ذلك، لا يعود السؤال في كل ظرف: لماذا حصل لنا هذا؟ وإنما يضاف إليه سؤال أكثر أهمية: ماذا يريد الله منا أن نفعله في هذا الذي حصل؟ وما هي العبادة المطلوبة منا الآن؟ ولذا قد يكون الاختبار في النعمة أشد من الاختبار في الفقد، وربما كان الزوج أو الزوجة أنفسهما جزءًا من العطاء الذي سيُسأل الإنسان كيف أحسن التعامل معه؟

في الخلاف: ما أحسن عمل؟

وحين نفهم أن الحياة الزوجية جزء من الامتحان، يصبح من أهم الأسئلة التي نحتاج أن نتعلمها داخل بيوتنا: ما أحسن عمل يمكن أن أتعبد لله تعالى به الآن؟ وليس: ماذا أشعر أنني أريد أن أفعل؟ ولا: ماذا يستحق الطرف الآخر مني؟ ولا: كيف أرد له ما فعل؟ وإنما: ما أحسن عمل يرضاه الله مني في هذا الموقف: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.

وهذا السؤال يحتاج إلى لحظة توقف؛ لأن النفس لا تسأل عنه تلقائيًا في كل مرة. النفس قد تريد أن تنتقم، وقد تريد أن تنتصر، وقد يدفعها الغضب إلى الكلام، وقد يمنعها الكبر من الاعتذار، وقد تجعلها ما تسميه كرامتها تستمر في خلاف وهي تعرف في داخلها أن الحق ليس معها، لكن لحظة التوقف هذه تغير كثيرًا من التفاصيل اللاحقة.

فقبل أن أتكلم: ما أحسن عمل؟ وقبل أن أرد: ما أحسن عمل؟ وقبل أن أُكمل الخلاف لمجرد أنني بدأت فيه: ما أحسن عمل؟

وهذا ليس سؤالًا متعلقًا بالزوجة دون الزوج، ولا بالزوج دون الزوجة، وإنما هو سؤال العبد الذي يعرف أنه في امتحان، وأن المطلوب منه ليس مجرد أن يعمل، بل أن يبحث عن الأحسن عملًا.

والجميل أن هذا السؤال يحرر الإنسان في كثير من المواقف من نفسه ومن رد فعل الآخر معًا. فما عادت نفسي هي التي تقرر وحدها كيف سأتصرف، ولا صار تصرف زوجي هو الذي يحدد أخلاقي وردي، وإنما هناك ميزان أعلى أعود إليه: ماذا يرضي الله تعالى مني الآن؟

استباق الخيرات بدل انتظار الطرف الآخر

ومن المعاني الجميلة التي يمكن أن تُبنى عليها العلاقة الزوجية قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: 48]؛ فبعد الابتلاء يأتي: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، وهذا ينقل العلاقة من سؤال: من يجب أن يبدأ؟ إلى سؤال مختلف تمامًا: لماذا لا أبدأ أنا بالخير؟ هي تستبق الخير، وهو يستبق الخير، هي تبادر بما يرضي الله، وهو يبادر بما يرضي الله. لا لأن أحدهما أقل مكانة من الآخر، ولا لأن واحدًا منهما يجب أن يتحمل دائمًا، وإنما لأن القضية في أصلها ليست منافسة بين زوج وزوجة، بل مسابقة إلى الخير، واستباق إلى ما يرضي الله تعالى.

وكم تختلف الأسرة عندما يصبح هذا جزءًا من أبجدياتها؛ بدل أن تقول الزوجة: لماذا أتنازل أنا؟ ويقول الزوج: لماذا أبدأ أنا؟ يصبح لدى كليهما معنى آخر: لعل هذه فرصة أستبق فيها إلى خير يحبه الله تعالى.

وهذا أيضًا يعالج كثيرًا من الندية التي تتسلل إلى العلاقات؛ لأن كل طرف حين يكون مشغولًا بعلاقته بالله تعالى، وبما يستطيع أن يقدمه من خير، يقل انشغاله بحساب ما فعله الآخر وما لم يفعله.

العدل لا يسقط لأن الآخر أساء

ومن معاني الامتحان أيضًا أن خطأ الطرف الآخر لا يعفيني من مسؤوليتي أنا؛ فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]، فليس معنى أن الآخر أساء أن يصبح الظلم مباحًا، وليس معنى أنه أخطأ أن أسمح لنفسي أن أتجاوز ما يرضي الله تعالى.

وهذا من أصعب ما يحتاجه الإنسان في الخلافات الأسرية؛ لأننا كثيرًا ما نبرر لأنفسنا الخطأ بخطأ الآخر: هو بدأ، هي قالت، هو لم يحترم، هي لم تقدّر!

لكن ميزان الوحي يحررنا من هذه الدائرة؛ أنا مسؤول عن عملي أمام الله، وأنت مسؤول عن عملك، ولهذا فالعلاقة لا يحكمها فقط ما بين الطرفين، وإنما يحكمها فوق ذلك علم كل واحد منهما أنه يتعامل مع الله تعالى قبل أن يتعامل مع الإنسان الذي أمامه. ومن هنا يصبح العدل مطلوبًا حتى في لحظة الغضب، وحتى حين أشعر أنني مظلوم، وحتى حين لا أحصل من الآخر على ما أتمنى.

لمن أفعل ما أفعله في هذه العلاقة؟

وهنا نصل إلى معنى أعمق؛ فحين يقول الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135]، وحين يقول سبحانه: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 8]، يصبح هناك سؤال لا بد أن يحضر في العلاقات الأسرية: لمن أفعل ما أفعل؟ أنا أحسن إلى زوجي، لكن لمن؟ وأحسن عشرتي، وأقوم بما عليّ، وأعدل، وأتجاوز في بعض المواضع، وأحفظ حدود الله… لكن لمن؟

لله جل في علاه.

وهذا لا يلغي أن الإنسان الذي أمامي هو المستفيد من حسن التعامل، لكنه يغيّر المنطلق الذي أتحرك منه؛ فإذا كان كل إحساني متعلقًا فقط برد الطرف الآخر، فقد أحسن حين يحسن، وأسيء حين يسيء، وأعطي حين يعطيني، وأمنع حين يمنع. أما حين يكون أصل عملي لله تعالى، فأنا أعرف أن ضعف الطرف الآخر لا يبيح لي أن أترك ما طلبه الله مني.

وهنا تتحرر العلاقة من جزء كبير من المقايضة المستمرة: «أنا فعلت لك كذا، وأنت ماذا فعلت لي؟». فكل واحد منهما لديه ثغر يقوم عليه، ومسؤولية سيُسأل عنها، والنجاح ليس في أن يؤدي الآخر ما عليه أولًا، بل أن أقوم أنا بما عليّ وأنا أطلب بذلك رضا الله جل وعلا.

ولهذا جاء في الحديث: « كُلُّكُم راعٍ وكُلُّكُم مَسؤولٌ عن رَعيَّتِه، والأميرُ راعٍ، والرَّجُلُ راعٍ على أهلِ بَيتِه، والمَرأةُ راعيةٌ على بَيتِ زَوجِها وولَدِه، فكُلُّكُم راعٍ وكُلُّكُم مَسؤولٌ عن رَعيَّتِه» (رواه البخاري)، فليست المواقع داخل الأسرة امتيازات نأخذها، وإنما مسؤوليات سنُسأل عنها: ماذا فعلنا بما أعطانا الله تعالى؟

أنت وزوجك… أعينا بعضكما على النجاة

لعل من أكثر ما تحتاجه الحياة الزوجية أن ينتقل الزوجان من النظر إلى بعضهما بوصف كل واحد منهما طرفًا يجب أن يحقق للآخر كل ما يريد، إلى أن يريا نفسيهما عبدين لله تعالى يسيران معًا في امتحان. وهذا المعنى لا يلغي الحقوق والمسؤوليات، وإنما يضعها في موضعها الصحيح؛فالله تعالى يقول:: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]. فلكل طرف ما له وعليه ما عليه، ويحكم العلاقة بينهما المعروف، لكن كل واحد منهما ينظر أولًا إلى ما كُلِّف به هو أمام الله تعالى، بدل أن يبقى منشغلًا بما لم يفعله الآخر.

وربما لو استقر هذا المعنى في بيوتنا لتغير كثير من خلافاتنا؛ فبدل أن يصبح الزوجان في مواجهة بعضهما، يعودان إلى المعنى الأول: ﴿أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾… معًا في الطريق، ومعًا في الامتحان، ومعًا في طلب النجاة.

وهذا بعض ما سنتوقف معه في برنامج «دِفء: دليل الوحي في العلاقة الزوجية»، أحد برامج «لقلب حي»، حيث نعود إلى هدايات الوحي لنفهم كيف تُبنى العلاقة الزوجية، وكيف تُفهم مسؤولياتها، وكيف يتعامل الزوجان مع تفاصيلها بوعي وعبودية واتزان.

شارك المقال

واتساب فيسبوك تيليغرام

كيف وجدت المقال؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *