عُدّة العمر: ما نزرعه في شبابنا يعيننا في كبرنا
الاستعداد لمرحلة الكِبَر
لا نعرف كم سيمتد بنا العمر، ولا كيف ستكون أحوالنا حين نتقدم فيه؛ فقد يضعف الجسد، أو تخف الهمة، أو يتراجع بعض ما اعتدنا عليه من حفظٍ وتركيزٍ وحركة. لذلك، وإلى جانب ترتيب شؤون المال والسكن والمعاش استعدادًا لمرحلة الكِبَر، نحتاج إلى أن نهيئ قلوبنا ونفوسنا لما قد يصاحبها من ضعف. فما المعاني التي نغرسها اليوم لتكون عونًا لنا حين تقلّ قدرتنا على الفعل؟
لا أقصد أن يستغني الإنسان عن التخطيط المادي أو أن يزهد في مصالح دنياه؛ فترتيب شؤون الحياة، وحفظ الحقوق، والقيام بالمسؤوليات، من الأخذ بالأسباب. لكن الإنسان لا يحتاج إلى المال وحده كي يحسن استقبال مراحل عمره. يحتاج كذلك إلى عُدّة إيمانية ونفسية وروحية تمدّه بالمعنى، وتعينه على ترتيب اهتماماته، وتمنحه ما يرجع إليه إذا تبدلت أحواله.
عُدّة العمر تبدأ قبل الكِبَر
فالإنسان لا يبني نفسه في لحظة واحدة، ولا ينتظر حتى يضعف ليبحث عن وجهةٍ لحياته. ما يكرره من أفكار وأعمال، وما يقدمه في قلبه من غايات، وما يتعلمه من صبرٍ ورضا واستعانة، يشارك في تشكيل نظرته إلى نفسه وإلى ما حوله. وكلما اعتنى بمدخلات نفسه في أيام قوته، وأحسن توجيهها، تهيأ له رصيدٌ يرجع إليه حين تقلّ قدرته على الاختيار أو تتبدل عاداته.
فمثلًا إذا استولى جمع المال أو طلب متاع الدنيا على همّ الإنسان، حتى صار مركز تفكيره ومعيار قراراته، فقد يصعب عليه أن ينصرف عنهما حين يكبر. قد تشغله المخاوف على ما جمعه، أو يظل أسيرًا لما اعتاد أن يطلبه، فيضيق عليه أن يرى في أيامه المتبقية مجالاتٍ أخرى للخير والقرب من الله تعالى. وليس الخلل في امتلاك المال أو السعي في مصالح الحياة؛ إنما في أن تستولي هذه المصالح على القلب، حتى ينسى الإنسان الغاية التي يعيش لها، ويغدو ما يملكه هو الذي يوجهه بدل أن يجعله وسيلةً للقيام بواجباته وخدمة من حوله.
ما الذي يعين النفس حين تضعف؟
أما من جعل أصل نظرته إلى نفسه أنه عبدٌ لله جل في علاه، يستمد منه الهداية والعون، ويتعامل مع شؤون حياته في ضوء هذه العبودية، فإنه يبني معنىً أوسع من قدرته على العمل والإنجاز. لا تكون العبادة عنده عملًا منفصلًا عن يومه، بل مرجعًا يضبط علمه وعمله وذكره وسلوكه وعلاقاته، ويعينه على أن يسأل: ما الذي يرضي الله تعالى؟ وما الذي ينفعني حقًا؟ وكيف أؤدي ما عليّ في أحوالي المختلفة؟ وقد تناولت الفاتحة هذه الأسئلة المؤسسة عن معرفة الله والنفس والغاية في مقال: الفاتحة وبناء أسس المعرفة.
وهذا المعنى لا يعصم الإنسان من الضعف، ولا يضمن له أن يخلو كبره من المرض أو النسيان أو الحزن؛ لكنه يمنحه طريقًا يرجع إليه، ويعينه على استقبال ما لا يملك دفعه بالصبر والاستعانة والرضا. حين يتعلم أن يسعى فيما يستطيع، ثم يردّ ما يعجز عنه إلى الله سبحانه، تقلّ وطأة التعلق بما يفلت من يده. وحين يتدرب على الشكر، وعلى ذكر الله تعالى، وعلى طلب العون منه، لا تكون هذه المعاني غريبةً عليه إذا احتاج إليها في مرحلةٍ أشد حاجة.
إعداد النفس يبدأ في أيام القوة
لهذا فإن إعداد العدة يبدأ في العمر الذي نملكه الآن. أن نعتني بصلتنا بالله تبارك وتعالى، لا بأن نؤدي العبادات أداءً متكررًا فحسب، بل بأن نفهم ما تعلّمنا إياه عن ربنا سبحانه وعن أنفسنا، ونحمل أثرها إلى اختياراتنا. وأن يكون لنا نصيب ثابت من القرآن والذكر والدعاء، وأن نتدرب على الصبر ومحاسبة النفس، وأن نربي في قلوبنا القناعة وحسن الظن بالله. وأن نجعل في حياتنا أعمالًا نافعةً وصلاتٍ طيبةً بالناس، فلا تنحصر قيمة أيامنا في مقدار ما ننجزه أو نملكه.
كيف تبنى هذه العدة؟
ولا تُبنى هذه العُدّة بكثرة الأعمال وحدها، بل بأن يتصل العمل بمعناه في القلب. فالصلاة التي يستحضر فيها العبد وقوفه بين يدي الله سبحانه تعيده إلى أصل العبودية، والقرآن الذي يتدبره يمدّه بالهداية ويعينه على فهم نفسه وواقعه، والذكر والدعاء يدرّبانه على الرجوع إلى الله تعالى في تفاصيل يومه. والصحبة الطيبة تقوّي هذا المعنى وتعين على الخير في أوقات النشاط والضعف، وهكذا.
ومع ملازمة هذه الأعمال، يألف القلب الاستعانة بالله جل في علاه والصبر والرضا، ويرجو أن يجد فيها ما يعينه إذا تبدلت صحته أو قدرته. وهذا لا يعني أن الإيمان يمنع المرض أو النسيان، ولا أن الإنسان يضمن صورةً معينةً لكبره؛ إنما يعني أن يغرس في نفسه اليوم ما يرجو نفعه في مختلف مراحل عمره.
التعايش مع الفقد
ومن عُدّة العمر أيضًا أن نتعلم، قبل أن تتبدل أحوالنا، كيف نتعامل مع وجود الأشياء وفقدها، وألا نجعل معنى حياتنا رهينًا ببقاء ما نملك أو دوام ما نستطيع فعله. فالمال والصحة والاستقلال والقدرة على الإنجاز نِعَمٌ نحسن شكرها والانتفاع بها، لكننا لا نملك دوامها. وإذا تغيّرت، لم تنتهِ أبواب الخير، ولم يفقد الإنسان قيمته؛ فهو لا يُقاس بما يملك أو ينجز، بل هو عبدٌ لله سبحانه في أحواله كلها.
وقد تتغير أدوار الإنسان في أسرته ومجتمعه مع تقدمه في العمر: فبعد أن كان يرعى غيره، قد يحتاج إلى من يرعاه، وبعد أن كان ينجز كثيرًا، قد تضيق قدرته على الإنجاز. ويحتاج إلى أن يتهيأ لهذا التحول، فيقبل العون كما قدّمه لغيره، ويحافظ على صلته بمن حوله بما يستطيع من مودة أو دعاء أو نصح أو نقلٍ للخبرة. فالضعف قد يغيّر صور العمل واتساعها، لكنه لا يلغي عبودية الإنسان لله سبحانه، ولا يعني أن أبواب الخير أُغلقت في وجهه؛ فلكل مرحلة ما يناسبها مما يقدر عليه العبد.
ليس ختام الحياة
ومصطلح التقاعد، وإن بدا كأنه ختام لمرحلة، إنما يصف انتهاء عملٍ وظيفي أو مهني بمعايير الحياة الدنيا وبما اصطلح عليه الناس، ولا يعني أن يتوقف الإنسان عن الحياة أو ينتهي دوره. فقد يتقاعد المرء من وظيفة، لكنه لا يتقاعد من عبوديته لله تعالى كما سبق وبينا، ولا تنقطع صلته بأهله ومجتمعه. فوجودنا ومعنى حياتنا لا يتحددان بما ننجزه ماديًا أو مهنيًا، بل بعبوديتنا لله تعالى وما نقدر عليه من عمل صالح في كل مرحلة. وقد تتغير صور العطاء بعد التقاعد، لكنها لا تنتهي بانتهاء وظيفة أو منصب.
ماذا يعلّمنا الوحي عن مراحل العمر والاستعداد لها؟
يذكّرنا القرآن بمراحل خلق الإنسان وتحوّله، ويقول سبحانه: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِن كُنتُم في رَيبٍ مِنَ البَعثِ فَإِنّا خَلَقناكُم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُم وَنُقِرُّ فِي الأَرحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخرِجُكُم طِفلًا ثُمَّ لِتَبلُغوا أَشُدَّكُم وَمِنكُم مَن يُتَوَفّى وَمِنكُم مَن يُرَدُّ إِلى أَرذَلِ العُمُرِ لِكَيلا يَعلَمَ مِن بَعدِ عِلمٍ شَيئًا وَتَرَى الأَرضَ هامِدَةً فَإِذا أَنزَلنا عَلَيهَا الماءَ اهتَزَّت وَرَبَت وَأَنبَتَت مِن كُلِّ زَوجٍ بَهيجٍ﴾ [الحج: ٥]. إنها حقيقةٌ تدعونا إلى التواضع أمام ضعفنا، وإلى ألا نؤجل بناء ما نحتاج إليه حتى زمنٍ قد لا نملك فيه ما نملكه اليوم من قوةٍ واختيار.
ويذكّرنا القرآن في موضع آخر بتقلّب الإنسان بين الضعف والقوة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤]. فتذكّر هذه المراحل يردّ الإنسان إلى حقيقة ضعفه، ويعينه على اغتنام أيام القوة فيما ينفعه في علاقته بالله وبنفسه وبمن حوله.
وتنبّهنا السنة إلى قيمة ما بين أيدينا من صحة ووقت؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» (رواه البخاري). وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «وأعوذ بك أن أُرَدَّ إلى أرذل العمر» (رواه البخاري). وفي هذا الدعاء تذكيرٌ بأن الضعف من أحوال العمر التي يسأل المؤمن ربَّه العافية منها، وأن استعانته بالله لا تنفصل عن أخذه بالأسباب في أيام قوته.
عُدّة الغد تُبنى اليوم
اعتن بنفسك وقلبك وفكرك في مقتبل عمرك ومنتصفه؛ لا لتضمن صورة معينة لأيامك القادمة، فهذا ليس بيدك، بل لتغرس في نفسك ما ينفعها، وتوجّهها إلى ما يبقى لها حقًا، ابدأ بما تستطيع اليوم: عبادة تؤديها بيقظة وهمى، ومعنى تتعلمه من الوحي وتحمله إلى اختياراتك الحياتية اليومية فتزكي نفسك بناء عليه، وعلاقات طيبة ترعاها وفق أوامر الوحي في حفظ الصلات والحقوق، وعمل صالح تؤديه بإخلاص في مجالات الحياة كلها، وصدقات جارية تبقيها لنفسك بعد انتهاء الحياة، ولا تنسى أولادًا صالحين من صلبك ومن غيرهم يغمرونك بالدعاء طلب الرحمة الغفران حينما تغيب في التراب، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: (( إذا ماتَ الإنسانُ انقَطَعَ عنه عَمَلُه إلَّا مِن ثَلاثةٍ: إلَّا مِن صَدَقةٍ جاريةٍ، أو عِلمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولَدٍ صالِحٍ يَدعو له)) (رواه مسلم).
فما تعده الآن تستعين به في مراحل العمر كلها. وما تغرسه اليوم قد يكون غدًا عُدّةً لك، وسكينةً لمن حولك، وسعيًا تلقى الله تعالى به.
