سورة الكهف: كيف تحافظ على دينك وسط ابتلاءات الحياة؟

د. رنا حصوة

اعتدنا أن نقرأ سورة الكهف كل أسبوع، وأن نتوقف عند قصصها الأربع باعتبارها صورًا لأنواع مختلفة من الفتن؛ فقصة أصحاب الكهف تتعلق بفتنة الدين، وقصة صاحب الجنتين بفتنة المال، وقصة موسى عليه السلام مع الرجل الصالح بفتنة العلم، وقصة ذي القرنين بفتنة السلطة.

ولكن إذا أمعنا النظر في السورة وآياتها، وجدنا أن الموضوع أوسع من أن يُحصر في هذا التصنيف؛ فليست فتنة الدين نوعًا من الفتن تتناوله القصة الأولى فحسب، وإنما هي القضية التي تجمع قصص السورة كلها، إذ تتعدد صور الفتن ومداخلها، ويبقى الامتحان في كل منها متعلقًا بثبات الإنسان على دينه أو افتتانه عنه.

فالأصل أن الحياة الدنيا دار ابتلاء، وأن ما يمر بالإنسان فيها من أحداث امتحان لإيمانه وثباته على منهج الله تعالى، كما قال سبحانه في مطلع السورة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: 7]. ومن هنا يمكن أن ننظر إلى قصص سورة الكهف باعتبارها صورًا متعددة لما قد يتعرض له الإنسان في حياته من ابتلاءات وفتن، يجمعها سؤال محوري: كيف تحافظ على دينك، وتبقى ثابتًا على إيمانك بالله سبحانه وتعالى، وسط ما يعرض لك في الحياة؟

أصحاب الكهف: حين تصبح الجماعة مؤثرة في دينك

تأتي قصة الفتية الذين آمنوا بربهم، فزادهم الله تعالى هدى، ووجدوا أنفسهم في مجتمع يسوده الشرك والكفر بالله سبحانه وتعالى، وتلفت القصة أنظارنا إلى أحد أخطر المؤثرات في ثبات الإنسان على دينه، وهو أثر الجماعة الغالبة، وما تمارسه من ضغط على أفكاره وقيمه واختياراته.

فالإنسان بطبيعته يتأثر بالمجتمع الذي يعيش فيه، وقد يجد نفسه مع مرور الوقت منساقًا وراء أفكار الجماعة وسلوكياتها، حتى وإن كانت مخالفة لما يؤمن به حقيقة، وتزداد خطورة هذا التأثير حين يصبح الانتماء إلى الجماعة أو موافقتها مقدَّمًا على الالتزام بالدين، وقد أدرك الفتية خطورة ذلك، فاختاروا اعتزال قومهم حفاظًا على دينهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ [الكهف: 16].

وهذا معنى نحتاج إليه في واقعنا كثيرًا؛ وليس المطلوب بالضرورة أن ينعزل الإنسان عن مجتمعه كلما وجد فيه ما يخالف قناعاته، وإنما أن يعي أثر الجماعة عليه، وألا يسمح لها بأن تصرفه عن دينه، وأن يكون قادرًا على اتخاذ المواقف التي تحفظ إيمانه، ولو اقتضى ذلك في بعض الأحيان الابتعاد عن بيئة أو جماعة يخشى على دينه من تأثيرها، فالدين هو الأولوية الأولى التي يجب حفظها والثبات عليها.

وقد لا يستطيع الإنسان الابتعاد ماديًا أو مكانيًا في بعض الأحيان، لكن يمكنه أن يعتزل معنويًا وفكريًا وشعوريًا وهو يعي ذلك ويقدر لكل شيء قدره. وفي عصرنا الحالي وما فيه من مشتتات، وما تفعله الأجهزة ووسائل التواصل في فكرنا وانتماءاتنا واختياراتنا، قد تكون حاجتنا أكبر إلى هذه العزلة الشعورية والفكرية، وربما المكانية في بعض الأحيان.

صاحب الجنتين: حين تطغى القيم المادية

ثم تنتقل بنا السورة من أثر الجماعة إلى أثر الصحبة القريبة، وما قد يحول دون انتفاع الإنسان بها، رغم صلاحها وقربها منه وسماعه لنصحها.

ففي قصة صاحب الجنتين نجد رجلًا آتاه الله سبحانه وتعالى من المال والنعمة، فاغتر بما لديه؛ ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمࣱ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَاۤ أَظُنُّ أَن تَبِیدَ هَـٰذِهِۦۤ أَبَدࣰا ۝ وَمَاۤ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَاۤىِٕمَةࣰ وَلَىِٕن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّی لَأَجِدَنَّ خَیۡرࣰا مِّنۡهَا مُنقَلَبࣰا﴾ [الكهف: 35-36]، ومع أن صاحبه المؤمن كان يذكرّه بالله تعالى، ويلفته إلى حقيقة نفسه وما أنعم الله سبحانه وتعالى به عليه، فإنه لم ينتفع بتذكيره، ولم تجد تلك الموعظة طريقها إلى قلبه.

وهنا يبرز معنى مهم؛ فقد تكون الجماعة والصحبة الصالحة قريبة منك، تسمع نصحها وتعرف ما تدعوك إليه، ولكن قلبك وعقلك مشغولان بمدخلات أخرى تطغى على أثر هذه الصحبة، وقد تكون هذه المدخلات هي القيم المادية الجاذبة بكل صورها؛ من المال والمتع والممتلكات والمكانة والشهرة وغيرها، حتى تصبح هي المعيار الذي تقيس به نجاحك وقيمتك، وتبني عليه اختياراتك وأحكامك.

وليست المشكلة في امتلاك المال أو الانتفاع بمتع الحياة، وإنما في أن يستولي التعلق بها على القلب، وتصرف الإنسان عن إدراك حقيقتها، وتجعله يغفل عن المنعم سبحانه وتعالى، وعن الغاية التي خُلق من أجلها. ولذلك فإن وجود الجماعة والصحبة الصالحة لا يكفي وحده ما لم يكن الإنسان ساعيًا للانتفاع بها، واعيًا بما قد يمنع أثرها الإيجابي في نفسه. وهكذا تعرض القصة صورة أخرى من صور الابتلاء، حين تتزاحم المؤثرات على قلب الإنسان، فيغلب بريق الدنيا على صوت التذكير، حتى يُفتن عن دينه وهو محاط بمن يذكره بالله تعالى.

موسى والرجل الصالح: حين لا نعرف الحكمة

ثم تأتي قصة موسى عليه السلام مع الرجل الصالح، لتضعنا أمام ابتلاء من نوع آخر، يتعلق بحدود معرفتنا، وقدرتنا على الصبر على ما لا نحط به علمًا. فقد شهد موسى عليه السلام أحداثًا بدا ظاهرها مستنكرًا؛ سفينة تُخرق، وغلام يُقتل، وجدار يُقام لأهل قرية امتنعوا عن إكرام ضيفيهما. وكان يسأل عما يرى وينكر ما ظهر له من أفعال تخالف ما يعلمه من مقتضيات العدل والرحمة، وقد قال له الرجل الصالح في بداية الرحلة: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: 68].

ولعل من رحمة الله سبحانه وتعالى بنا أن قص علينا هذه الأحداث، وما كان من موسى عليه السلام فيها؛ لندرك صعوبة الصبر على ما لا نعرف حقيقته، خاصة حين يبدو لنا أنه يتعارض مع ما نؤمن به. ثم كشف الله تعالى لموسى عليه السلام على لسان الرجل الصالح، بعض ما غاب عنه؛ فكان وراء خرق السفينة حفظٌ لأصحابها، ووراء قتل الغلام رحمة بوالديه المؤمنين، ووراء إقامة الجدار حفظ مال اليتيمين.

وهنا تخبرنا القصة أن ما نعرفه عن الأحداث ليس بالضرورة كل حقيقتها، وأن عجزنا عن إدراك الحكمة من حدثٍ ما لا يعني انتفاءها عنه. وكم نمر في حياتنا بمواقف نصنفها من المصائب، ونرى حولنا أحداثًا عظيمة يكون عدم الإحاطة بحقيقتها مدخلًا لاضطراب بعض النفوس، ولكننا نتعلم هنا أن المطلوب أن نبني في نفوسنا من الإيمان بالله سبحانه وتعالى، والثقة بحكمته ورحمته، ما يعيننا على الصبر حين تغيب عنا الإجابات. فقد لا نحظى برجل صالح ينبئنا بتأويل ما لم نستطع عليه صبرًا، كما حدث مع موسى عليه السلام، وقد تمضي بنا الحياة دون أن نعرف الحكمة من كثير مما وقع، ولكن يبقى المطلوب منا أن نعوّد أنفسنا الصبر قبل الحكم، والتسليم بحكمة الله تعالى فيما غاب عنا، وهذا واحد من أهم أسس حفظ ديننا وإيماننا.

ذو القرنين: حين تصبح القدرة والسلطة اختبارًا للإيمان

ثم تأتي قصة ذي القرنين، لتنقلنا إلى جانب آخر من جوانب الابتلاء؛ وهو ما قد يعرض للإنسان حين يمتلك أسباب القوة والقدرة والسلطة.

فالسلطة ليست بالضرورة منصبًا سياسيًا أو حكمًا واسعًا؛ فقد تكون قدرة على التأثير، أو مكانة اجتماعية، أو مسؤولية يتولى فيها الإنسان أمر غيره، أو إمكانات تمنحه من القوة ما لا يتاح لسواه. وقد يكون ذلك سببًا في افتتانه عن دينه إذا دفعه إلى الغرور أو الظلم أو تجاوز حدود الله تعالى.

لكننا نجد في ذي القرنين نموذجًا مختلفًا؛ فقد آتاه الله سبحانه وتعالى من أسباب التمكين، فكان يعمل ويستخدم ما أتيح له من قدرة وقوة، دون أن تنسيه فضل الله ومنته عليه؛ فحين أنجز ذو القرنين بناء الردم الذي يحمي القوم من يأجوج ومأجوج، لم ينسب الفضل إلى قوته، وإنما قال: ﴿قَالَ هَـٰذَا رَحۡمَةࣱ مِّن رَّبِّیۖ فَإِذَا جَاۤءَ وَعۡدُ رَبِّی جَعَلَهُۥ دَكَّاۤءَۖ وَكَانَ وَعۡدُ رَبِّی حَقࣰّا﴾ [الكهف ٩٨]. وتبرز في القصة آية: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾؛ لتركز على قيمة السعي والأخذ بالأسباب، واستثمار ما آتاه الله تعالى للإنسان من إمكانات في العمل النافع المخلص لله تعالى.

وهنا يظهر وجه آخر من وجوه الثبات على الدين؛ أن يمتلك الإنسان القدرة دون أن تغره، وأن يستخدم ما لديه من أسباب دون أن ينسى المنعِم بها سبحانه، وأن يبقى سعيه منضبطًا بمنهج الله سبحانه وتعالى.

آيات تضبط اتجاه الإنسان وسط الفتن

وخلال تأملنا في السورة، نجد عددًا من الآيات المحورية التي تعين الإنسان على فهم طبيعة الابتلاء، وضبط علاقته بالمؤثرات التي قد تصرفه عن دينه؛ فمنها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: 50]. ففي الآية تذكير بعداوة إبليس للإنسان، وتحذير من اتباعه واتخاذه وليًا، وهو الذي يسعى إلى صرف الإنسان عن طاعة ربه، ويزين له ما يبعده عن منهج الله تعالى.

ثم يأتي التوجيه في قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]. وكأن هذه الآية تجمع عددًا من المعاني التي مرت بنا في القصص؛ فأنت بحاجة إلى صحبة تعينك على الثبات، وإلى صبر تحمي به نفسك من الانجراف وراء المؤثرات، وإلى وعي بحقيقة زينة الحياة الدنيا، وإلى الحذر من طاعة من غفل قلبه عن ذكر الله تعالى واتبع هواه.

فالإنسان لا يحافظ على دينه بمجرد معرفته بالحق، وإنما يحتاج إلى مجاهدة مستمرة لنفسه، ووعي بالمؤثرات المحيطة به، واختيارات تحفظ عليه إيمانه في مختلف أحوال حياته.

حين يضل السعي ويظن الإنسان أنه يحسن صنعًا

وبربط هذه المعاني معًا، نتدبر ما جاء في خاتمة سورة الكهف من تحذير : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ۝ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ۝ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: 103-105]. فهذه الآيات تتحدث عن الذين ضل سعيهم وكفروا بآيات ربهم ولقائه، مع ظنهم أنهم يحسنون صنعًا، فهي تنبه الإنسان من الضلال وهو يحسب أنه على صواب؛ بأن ينشغل بما يراه ربحًا وإنجازًا في حياته الدنيا، بينما غفل عن حقيقة الطريق الذي يسلكه، والغاية التي يتجه إليها. فليست العبرة بكثرة السعي، وإنما بأن يكون السعي منضبطًا بمنهج الله تعالى، ومحققًا للغاية التي خُلق الإنسان من أجلها.

فتعلمنا السورة أن القضية ليست مجرد النجاة من فتنة بعينها، وإنما أن يبقى الدين حاضرًا في حياة الإنسان كلها، وأن يضبط علاقته بالناس والمال والأحداث والقوة بمعايير الوحي، وألا يسمح لشيء من ذلك بأن يصرفه عن ربه سبحانه وتعالى، فالفتن ليست أحداثًا استثنائية نواجهها بين حين وآخر، وإنما قد تكون كامنة في تفاصيل حياتنا اليومية، وفي الأشياء التي نحبها، والأشخاص الذين نرافقهم، والأحداث التي نعجز عن فهمها، والقدرات التي نمتلكها.

وفي كل ذلك يبقى السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عنا: هل يقربني ما أعيشه وأسعى إليه من الله سبحانه وتعالى، أم يصرفني عن العبودية له؟ وهل أحافظ على ديني وسط ما يعرض لي من ابتلاءات الحياة، أم أنني أنشغل بما فيها حتى أغفل عن الغاية التي خُلقت من أجلها؟

شارك المقال

واتساب فيسبوك تيليغرام

كيف وجدت المقال؟

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *