سورة الناس.. حين تصبح الاستعاذة منهجًا للحياة
نقرأ سورة الناس كل يوم، في صلواتنا وأذكارنا، وفي صباحنا ومسائنا، وقبل أن نأوي إلى فراشنا، ست آيات قصيرة، نحفظها منذ الصغر، ونكررها كثيرًا، لكن هل توقفنا يومًا لنتأمل ما الذي تربّيه هذه السورة في قلوبنا؟ ولماذا نحتاج إلى تكرارها في كل يوم، بل في مواقف كثيرة في حياتنا؟
ولعلنا اعتدنا أن نفهم سورة الناس من جهة واحدة، وهي الاستعاذة من الشيطان ووسوسته، دون أن نتوقف طويلًا عند ما تشتمل عليه من معانٍ عظيمة تتعلق بمعرفتنا بالله سبحانه وتعالى، وحقيقة عبوديتنا له، وطبيعة الصراع الذي نخوضه في هذه الحياة، وما نحتاج إليه من يقظة دائمة لحماية قلوبنا وإيماننا.
وليس تكرار السورة مجرد ترديد لألفاظ الاستعاذة، بل هو تذكير متجدد بحقيقة افتقارنا إلى الله سبحانه وتعالى، وحاجتنا إلى عونه وحفظه، حتى لا نستسلم لما يرد على نفوسنا من وساوس، وما يحيط بنا من مؤثرات قد تصرفنا عن الطريق الذي أمرنا بسلوكه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن المعوذتين: «ألَم تَرَ آياتٍ أُنزِلَتِ اللَّيلةَ لَم يُرَ مِثلُهنَّ قَطُّ؟! {قُل أعوذُ برَبِّ الفَلَقِ}، و{قُل أعوذُ برَبِّ النَّاسِ}» رواه مسلم.
فما الذي نتعلمه من هذه السورة العظيمة؟ وكيف تتحول الاستعاذة من كلمات تجري على ألسنتنا إلى عبادة حاضرة في قلوبنا، يظهر أثرها في أفكارنا واختياراتنا وسلوكنا؟
رب الناس، ملك الناس، إله الناس.. معرفة تسبق الاستعاذة
تبدأ السورة بقوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَٰهِ النَّاسِ﴾ [الناس: 1-3]. والاستعاذة هي الالتجاء والاعتصام بالله سبحانه وتعالى، طلبًا للحماية من الشر الذي نخافه ونحذره. لكن يجب أن نتأمل كيف بدأت السورة بتعريفنا بمن نستعيذ به، قبل أن تعرّفنا بالشر الذي نستعيذ منه!
فنحن لا نلجأ ولا نطلب الحماية إلا ممن يملك أمرنا، نلتجئ إلى ربنا سبحانه الذي خلقنا وربّانا بنعمه وتولى تدبير شؤوننا، وهو مالكنا الذي له الملك الكامل والسلطان المطلق، وهو إلهنا الحق الذي لا يستحق العبادة أحد سواه،
فالاستعاذة ب ﴿رَبِّ النَّاسِ﴾؛ تذكّرنا بأن الله سبحانه وتعالى هو خالقنا ورازقنا ومدبر أمرنا، والذي تتوالى علينا نعمه، ولا نستغني عن فضله ورعايته لحظة واحدة، وحين يستحضر العبد هذه الحقيقة، تنشأ في قلبه معاني المحبة والافتقار والثقة بربه سبحانه وتعالى؛ فكيف لا يلجأ إلى من خلقه، ويعلم ضعفه وحاجته، ويملك أسباب نفعه وحمايته؟
ثم تأتي ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ لتضيف معنى عظيمًا آخر؛ الله سبحانه الملك الحق، ونحن داخلون تحت ملكه وحكمه وسلطانه. ولهذه الحقيقة أثر عظيم في قلب المؤمن؛ فحين يقول عند المصيبة: ﴿ٱلَّذِینَ إِذَاۤ أَصَـٰبَتۡهُم مُّصِیبَةࣱ قَالُوۤا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّاۤ إِلَیۡهِ رَ ٰجِعُونَ﴾ [البقرة ١٥٦]، فإنه يستحضر أنه مملوك لرب كريم حكيم، يجري عليه قضاؤه، ولا يخرج في شيء من أحواله عن ملك الله تعالى وتدبيره. وهذه المعرفة تخفف ألم المصيبة، وتعين القلب على التسليم والصبر؛ لأنه يعلم أن أمره كله بيد الله سبحانه وتعالى، وأن ربه لا يقضي شيئًا إلا بعلم وحكمة.
ثم تكتمل هذه المعاني بقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَٰهِ النَّاسِ﴾؛ فهو سبحانه ليس ربنا الذي خلقنا ورزقنا فحسب، ولا فقط ملكنا الذي نعيش تحت سلطانه، بل هو إلهنا الذي يستحق أن تتوجه إليه قلوبنا بالمحبة والتعظيم والخضوع، وأن تنصرف إليه عباداتنا وطاعاتنا، فلا نعبد إلا إياه، ولا نتوكل إلا عليه. وهنا ننتقل من الإيمان والإقرار بأنه الخالق والمالك جل في علاه، إلى مقتضى هذا الإقرار في حياتنا: أن نكون له عبادًا، ممتثلين لأمره، منتهين عما نهى عنه، مستعينين به في شؤوننا كلها.
وهذه قضية جوهرية في بناء علاقة الإنسان بربه؛ فقد يقر الإنسان بأن الله سبحانه وتعالى هو خالقه ورازقه، لكنه لا يجعل لهذا الإقرار أثرًا حقيقيًا في اختياراته وتصرفاته، ولا يخضع لأمر ربه حين يتعارض مع رغباته وأهوائه؛ ولذلك فإن الجمع بين الربوبية والملك والألوهية في مطلع السورة يربّي فينا معنى العبودية الكاملة، القائمة على معرفة الله سبحانه وتعالى ومحبته وتعظيمه والخضوع له، والاحتكام لأمره.
وهذا المعنى لا ينفصل عن مقصد الاستعاذة؛ فإذا عرفنا أن الله سبحانه وتعالى هو ربنا وملكنا وإلهنا، وأنه رب جميع المخلوقات ومالكها، علمنا أن ما نخافه من شرور الخلق لا يخرج عن سلطانه، وأنه وحده من يُلجأ إليه، ويُعتصم به، وتُطلب منه الحماية. وكلما كانت معرفتنا بربنا سبحانه وتعالى أعظم، كان لجوؤنا إليه أصدق، وثقتنا به أقوى، وافتقارنا إليه أشد.
الوسواس الخناس.. عدو يعرف مواضع الغفلة
بعد أن تعرّفنا السورة بمن نستعيذ به سبحانه، تنتقل إلى بيان هذا الشر الذي نطلب الحماية منه، فيقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: 4-5]. ولعلنا نحتاج أن نتأمل كيف جاء وصف هذا العدو! لم يُذكر باسمه ابتداءً، وإنما ذُكر بوصفين يكشفان حقيقة عمله: الوسواس الخناس؛ فالوسواس هو الذي يلقي الوسوسة خفية، والخناس هو الذي يتراجع ويتأخر، وقد ذكر المفسرون أنه يخنس عند ذكر العبد ربه سبحانه وتعالى واستعانته به.
إنه عدو يعمل في الخفاء، وليس بالضرورة أن يبدأ مع الإنسان بدعوة صريحة للمعصية، بل قد يبدأ بفكرة صغيرة، أو شك عابر، أو تزيين أمر كان الإنسان يعرف قبحه، أو تثبيطه عن طاعة كان حريصًا عليها. وهنا تظهر خطورة الوسوسة؛ فهي لا تواجه الإنسان دائمًا بصورة الشر الواضح الذي يسهل رفضه، بل قد تأتيه في صورة مقنعة، تزيّن له الخطأ، وتُهوّن عليه المعصية، وتجعله يرى الخير ثقيلًا شاقًا، أو قليل الجدوى. وكم من أمر في حياتنا بدأ بهذه الخطوات! قد يبدأ بتسويف طاعة، أو الاستهانة بمعصية صغيرة، أو تبرير تصرف لا يرضي الله سبحانه وتعالى، أو التشكيك في جدوى عمل صالح، ثم تتتابع الأفكار حتى تتغير القناعة، ويتبعها سلوك لم يكن الإنسان يتصور أن يصدر عنه يومًا. فالمعركة لا تبدأ دائمًا عند لحظة الفعل، بل قد تبدأ قبل ذلك بكثير، حين نقبل فكرة، أو نسترسل معها، أو نسمح لها بأن تعيد تشكيل نظرتنا إلى الأمور.
لكن من رحمة الله سبحانه وتعالى بنا أنه لم يعرّفنا بطبيعة هذا العدو فحسب، بل عرّفنا أيضًا بموضع ضعفه؛ فهو خناس، يتراجع عند ذكر الله سبحانه وتعالى والالتجاء إليه. فنحن لسنا متروكين أمام الوسوسة بلا عون أو حماية، بل علّمنا الله سبحانه وتعالى كيف نواجهها، وإلى من نلجأ حين ترد علينا. وليس معنى ذلك أن الشيطان لن يعود إلى الوسوسة؛ بل إن وصفه بالخناس يذكّرنا بأن هذا الصراع متجدد، وأن الإنسان يحتاج إلى دوام الذكر والاستعاذة واليقظة، فهو عدو لا يكف عن المحاولة، كما أخبر الله سبحانه وتعالى على لسان إبليس لعنه الله: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 82-83]. ومن هنا نفهم لماذا لا نستغني عن اللجوء لله تعالى والاستعاذة به، مهما تقدمنا في الطاعة، ومهما بلغنا من العلم والصلاح؛ لأن حاجتنا إلى عونه سبحانه وتعالى لا تنقطع، ولأن الغفلة قد تتسلل إلى القلب في أي لحظة.
الوسوسة لا تعني الاستجابة.. فأين تقع مسؤوليتنا؟
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾، وهنا ينبغي أن نتوقف عند قضية مهمة؛الفرق بين ورود الوسوسة على النفس وقبولها والاستجابة لها. فليس كل خاطر يمر بالإنسان، أو فكرة سيئة ترد عليه، تعني أنه قد اختارها أو رضي بها، وقد قال النبي ﷺ: «إنَّ اللهَ تَجاوزَ لأُمَّتي عَمَّا وسوسَت، أو حَدَّثَت به أنفُسَها، ما لم تَعمَلْ به أو تَكَلَّمْ» رواه البخاري، فمجرد ورود الخاطر وحضور الوسوسة لا يؤاخذ عليه الإنسان، ما لم ينتقل إلى قول أو عمل أو عزم محرم.
وهذا يحمي النفس من خطأين متقابلين؛ أن يخاف الإنسان من كل فكرة عارضة ويظن أن مجرد ورودها يدل على فساد إيمانه، أو أن يستسلم للوسوسة ويلتمس فيها عذرًا لكل خطأ يقع فيه. فالشيطان يدعو ويزيّن ويوسوس، لكنه لا يملك أن يجبر الإنسان على المعصية، ولا أن يُسقط عنه مسؤولية اختياره.
والقرآن الكريم يكشف هذه الحقيقة في مواضع عدة، منها مشهد تبرؤ الشيطان من أتباعه يوم القيامة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: 22]. فالشيطان الذي يزيّن للإنسان المعصية في الدنيا، ويقنعه بأعذاره وتبريراته، هو ذاته الذي يتبرأ منه في الآخرة، ويذكّره بأنه لم يكن له عليه سلطان يجبره به على اتباعه، وإنما دعاه فاستجاب.
وهذا لا يعني الاستهانة بأثر الوسوسة، وتنوّع صورها، وإنما يعني ألا نجعل الشيطان ذريعة نبرر بها أخطاءنا، أو نتخلى معها عن مسؤوليتنا في المجاهدة والاختيار، فالإنسان قد لا يملك منع كل خاطر يرد عليه، لكنه مأمور بألا يسترسل مع الباطل مختارًا، وأن يستعين بالله سبحانه وتعالى في دفع ما يضره، وأن يجاهد نفسه بما يستطيع. وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى التعامل مع وساوس الشيطان المتعلقة بأصل الإيمان، فقال: «يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقول: مَن خلق كذا؟ مَن خلق كذا؟ حتى يقول: مَن خلق ربَّك؟ فإذا بَلَغَه فليَستَعِذْ باللهِ وليَنتَهِ» رواه البخاري.
فجمع التوجيه النبوي بين أمرين متكاملين: الاستعاذة بالله سبحانه وتعالى، وقطع الاسترسال مع الوسوسة؛ فهي مواجهة لا تقوم على قوة الإنسان وحده، ولا على استسلامه لما يرد عليه من أفكار، بل على افتقاره إلى ربه سبحانه وتعالى، مع قيامه بما أُمر به من مجاهدة نفسه وعدم اتباع خطوات الشيطان. وهكذا تربّي سورة الناس في المؤمن معنيين متلازمين: ألا يغتر بقوته فيستغني عن عون الله سبحانه وتعالى، وألا يتذرع بضعفه ليتخلى عن مسؤوليته.
حين لا يجد الشيطان طريقًا إلى المعصية.. يدخل من باب الطاعة
ومن المهم أن ندرك أن عمل الشيطان لا يقتصر على دعوة الإنسان إلى المعاصي الظاهرة، بل إن مقصده أوسع من ذلك؛ فهو يريد أن يصرف الإنسان عن أصل العبودية لله سبحانه وتعالى، ويفسد عليه علاقته بربه، بأي سبيل استطاع، وتختلف مداخله باختلاف حال الإنسان وما يجد عنده من ضعف أو غفلة؛ فقد يبدأ بالتشكيك في أصول الإيمان، ومحاولة زعزعة اليقين بالله سبحانه وتعالى، وإدخال الشبهات على القلب. فإن وجد من العبد إيمانًا ويقينًا، أتاه من جهة تزيين المعصية، وتهوين شأنها والدعوة إليها فإن وجد منه تماسكًا، فلن يدعوه إلى ترك الطاعة صراحة، وإنما يبدأ معه بالتسويف؛ فيقنعه بأن يؤخر عملًا صالحًا، أو يخفف من عباداته، أو ينشغل بما هو أقل نفعًا، حتى تنقطع عنه بعض الطاعات التي كان محافظًا عليها.
وربما جاءه من باب آخر أشد خفاءً؛ فيدخل عليه في طاعته نفسها، فيفسد نيته، أو يفتح له باب الرياء، أو يُعجبه بعمله، حتى يتحول ما كان سببًا في افتقاره إلى الله سبحانه وتعالى إلى سبب في اغتراره بنفسه. وينبهنا القرآن الكريم إلى هذا المعنى في دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وهما يرفعان القواعد من البيت حيث قالا: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127]؛ إنهما يقومان بعبادة عظيمة، ومع ذلك لا يقفان عندها، ولا يغتران بشرف ما قاما به، وإنما يسألان الله سبحانه وتعالى القبول، فيعلماننا أن المؤمن لا ينبغي له أن ينشغل بما أنجزه من طاعات عن النظر في حال قلبه معها؛ فليس المطلوب مجرد العمل، بل صلاح النية وصدق العبودية وقبول العمل عند الله سبحانه وتعالى.
وهنا يتضح لنا أن خطر الوسوسة لا يقتصر على الإنسان البعيد عن الطاعة، وإنما قد يطال الإنسان في أشد أوقاته حرصًا عليها، فنحتاج إلى مراجعة دوافعنا ومقاصدنا كما نراجع أعمالنا الظاهرة. ومعرفة هذه المداخل تجعل المؤمن أكثر يقظة، لأنه يعرف أن الطريق إلى الله سبحانه وتعالى يحتاج إلى مجاهدة مستمرة، وأن الاستعاذة به ليست مرتبطة بحال الضعف وحده، بل يحتاج إليها العبد في قوته وضعفه، وإقباله وتقصيره.
من الجنة والناس.. حين تأتي الوسوسة من حيث لا نتوقع
تُختتم السورة بقوله سبحانه وتعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 6]. وهنا يتسع معنى الاستعاذة ليشمل شياطين الجن وأعوانهم من شياطين الإنس، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]. وهذا أمر ينبغي الانتباه له؛ لفنحن نكون أكثر حذرًا من وسوسة الشيطان وذريته، بينما نغفل عن أثر ما يصلنا من أفكار ووساوس من الناس الذين نخالطهم، ونجالسهم ونتفاعل معهم في العالم الواقعي والافتراضي.
فالوسوسة لا تكون دائمًا خاطرًا خفيًا يرد على النفس، بل قد تصلنا من خلال كلمات نسمعها، أو آراء تُعرض علينا، أو أحاديث تتكرر في مجالسنا، فتؤثر شيئًا فشيئًا في تصوراتنا وقناعاتنا وسلوكنا. وتأمل قوله تعالى: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾؛ فالزخرف هو ما يُزيَّن ويُحسَّن، حتى يبدو الشيء جذابًا، وإن كان في حقيقته باطلًا أو مضللًا، وهذه من أخطر ما قد يؤثر في الإنسان؛ إذ لا يُعرض الباطل بوصفه باطلًا، وإنما يُقدَّم في صورة جميلة ومقنعة، حتى تألفه النفوس، ثم لا تعود تستنكره كما كانت من قبل.
ويمكن أن نتعرف على هذا النوع من الوسوسة بصفتين تشبهان صفات شيطان الجن. الأولى: الحرص على الخفاء؛ فمن يحرص على أن يكلمك بعيدًا عن الأعين والآذان، ولا يريد أن يسمعه أحد، فجدير بك أن تنتبه لما يقوله لك. وليس كل حديث خاص وسوسة، لكنه قرينة تستدعي اليقظة. والثانية: الحرص على صرفك عن الطاعة، إما بالتسويف، أو بتكريهها إليك، أو بالتقليل من قيمتها، وتكرار ذلك في صور شتى.
ولعلنا نحتاج إلى استحضار هذا المعنى اليوم؛ فقد اتسعت دوائر التأثير في حياتنا اتساعًا كبيرًا، ولم تعد مقتصرة على الأشخاص الذين نلتقيهم أو نجالسهم، بل أصبحنا نحمل بين أيدينا وسائلتعرّضنا باستمرار لآلاف الأفكار والرسائل والصور والمواقف، فما يصلنا عبر وسائل التواصل وشبكاته والإعلام والإعلان، ليس مجرد معلومات محايدة، وإنما يحمل تصورات عن الحياة، والنجاح، والسعادة، والعلاقات، والقيم، وما ينبغي للإنسان أن يسعى إليه أو ينصرف عنه، ومع التكرار والاعتياد قد تتغير أفكارنا ومشاعرنا تجاه ما نراه ونسمعه دون أن ننتبه؛ فما كنا نستنكره قد يصبح مألوفًا، وما كنا نحرص عليه قد يبدو ثقيلًا، وما كنا نعدّه من أولويات حياتنا قد يتراجع شيئًا فشيئًا، حتى نفاجأ بأن شيئًا في نفوسنا قد تغير. والغفلة هي الباب الذي يدخل منه الشيطان، بدليل أنه يخنس عند الذكر؛ فإذا زادت الغفلة والتعلق بالدنيا، نشط عمل شياطين الجن والإنس. وهنا تظهر أهمية اليقظة لما يدخل إلى قلوبنا، والاستعاذة من شرور الجنة والناس. وليس المقصود من هذه اليقظة أن نسيء الظن بكل من حولنا، وإنما أن نزن ما يصلنا بميزان الوحي، وألا نعطل قدرتنا على التمييز لمجرد الألفة أو المحبة أو كثرة التعرض للفكرة.
لماذا نستعيذ من شر واحد بثلاث صفات عظيمة؟
ومن لطائف التدبر أن نتأمل علاقة سورة الناس بسورة الفلق، ففي سورة الفلق يأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نستعيذ برب الفلق من شرور متعددة: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 2-5]. أما في سورة الناس، فتأتي الاستعاذة برب الناس وملك الناس وإله الناس، من شر واحد وهو الوسواس الخناس، لأن هذا الشر الواحد أخطر ما قد يصيب الإنسان؛ فشرور الفلق في معظمها خارجة عن الإنسان، أما الوسوسة فخطر داخلي يمس القلب والاعتقاد، ولذلك اجتمعت له ثلاثة أسماء من أسماء الله الحسنى. فالضرر الذي يصيب الإنسان في بدنه أو ماله أو بعض شؤون حياته قد يكون شديدًا، لكن الضرر الذي يهدد علاقته بربه سبحانه وتعالى، ويفسد عليه دينه، ويصرفه عن الغاية التي خُلق من أجلها أعظم خطرًا وأبقى أثرًا.
ونحن قد نبذل جهودًا كبيرة لحماية أنفسنا وأهلينا من الأخطار الظاهرة، فنحتاط لصحتنا وأموالنا وأمننا، ونراقب ما يهدد مصالحنا الدنيوية، وهذا كله من الأخذ بالأسباب المشروعة، لكن هل نبذل القدر نفسه من اليقظة حين يتعلق الأمر بما يهدد قلوبنا وإيماننا؟ هل ننتبه لما يضعف صلتنا بالله سبحانه وتعالى، أو يقلل من حرصنا على الطاعة، أو يجعلنا أكثر تساهلًا مع المعصية؟ وهل نتعامل مع تغيرات نفوسنا كما نتعامل مع التغيرات التي تطرأ على شؤون حياتنا الأخرى؟
إن سورة الناس تعيد ترتيب أولويات الحماية في حياتنا، وتذكّرنا بأن أخطر ما قد يصيب الإنسان ليس دائمًا ما يراه أو يشعر بألمه مباشرة، وإنما قد يكون ما يتسلل إلى قلبه بالتدريج، فيضعف إيمانه، ويغير قناعاته، ويصرفه عن عبودية ربه دون أن يشعر.
حين تصبح الاستعاذة منهجًا للحياة
إذا أدركنا هذه المعاني، تحولت الاستعاذة بالله تعالى إلى منهج نعيش به؛ نجدد من خلاله معرفتنا بربنا سبحانه وتعالى، ونراجع به ما يدخل إلى قلوبنا، ونستعين به على مجاهدة نفوسنا، ونحفظ به ما استطعنا من إيماننا وأعمالنا، فقد جاء في السنة «أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان إذا أوى إلى فِراشِه كُلَّ لَيلةٍ جَمَع كَفَّيه، ثُمَّ نَفَثَ فيهما، فقَرَأ فيهما: {قُل هو اللهُ أحَدٌ}، و{قُل أعوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ}، و{قُل أعوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}، ثُمَّ يَمسَحُ بهما ما استَطاعَ مِن جَسَدِه، يَبدَأُ بهما على رَأسِه ووَجهِه وما أقبَلَ مِن جَسَدِه، يَفعَلُ ذلك ثَلاثَ مَرَّاتٍ» رواه البخاري.
