حين تكون العبودية لله غاية التربية
بعد أن عرّفنا الله سبحانه وتعالى بنفسه في الآيات الأولى من سورة الفاتحة، انتقل بنا مباشرة إلى قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. وكأن هذا الترتيب يعلمنا أن المعرفة بالله جل وعلا لا تقف عند حدود العلم به، وإنما تقودنا إلى عبادته؛ فبعد أن نعرف ربنا سبحانه وتعالى، ونعرف أسماءه وصفاته، ونعرف رحمته وربوبيته وملكه، لا بد أن يظهر أثر هذه المعرفة في حياتنا عبوديةً له سبحانه.
وقد تحدثنا في مقال سابق بعنوان من أين يبدأ بناء البيت؟ أسرة تعرف الله تعالى وتُعرّف به عن الأبجدية الأولى في بناء الأسرة وفق منهج الوحي، وهي معرفة الله جل وعلا، وكيف ينبغي أن تكون هذه المعرفة أصلًا حاضرًا في حياة الأسرة وتربيتها. وننتقل هنا إلى الأبجدية الثانية التي تقودنا إليها سورة الفاتحة: أن تكون العبودية لله سبحانه وتعالى غاية تسعى الأسرة إلى تحقيقها في نفسها وأبنائها.
فحين يفكر الزوجان في بناء أسرتهما، وينشغلان بالإعداد لما تحتاجه من مسكن ومال ومتطلبات معيشية، لا بد أن يكون بينهما حديث عن الغاية التي يريدان أن تقوم عليها هذه الأسرة؛ هل نريد أن نكون عبادًا لله تعالى حقًا؟ وهل نريد أن ننشئ ذرية عابدة له سبحانه وتعالى؟ وهل ستكون هذه الغاية حاضرة في اختياراتنا وقراراتنا، وفي الطريقة التي نربي بها أبناءنا؟ إنها ليست مجرد رغبة نتحدث عنها، وإنما مقصد ينبغي أن يحكم بناء الأسرة، ويوجه مسيرتها، ويحدد ما الذي نريد أن نغرسه في نفوس أبنائنا.
العبودية لله تعالى: إرث الأسرة الذي لا ينبغي أن ينقطع
حين نتأمل الآيات القرآنية التي تتحدث عن الأسرة والذرية، نجد هذا الهَمّ حاضرًا بوضوح؛ تأملوا مثلًا سورة آل عمران، التي حملت اسم أسرة اصطفاها الله سبحانه وتعالى، يقول الله تعالى في مطلع الحديث عن هذه الأسرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 33-34]، ونلاحظ حضور الذرية في هذا السياق، وما يحمله من معنى امتداد الإيمان والعبودية في الأسرة جيلًا بعد جيل. وهو المعنى نجده كذلك مع امرأة عمران، وما كان يشغلها من أمر مولودها ونذرها له محررًا لعبادة الله سبحانه وتعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: 35].
ونجد هذا المعنى أيضًا في وصية إبراهيم ويعقوب عليهما السلام لأبنائهما، قال تعالى: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132]، وعندما نتأمل في الإرث الذي حرص إبراهيم ويعقوب عليهما السلام أن يتركاه لأبنائهما؛ نجد أن الوصية هنا لم تتعلق بالمال أو الأملاك أو شؤون المعيشة، وإنما بما هو أعظم من ذلك كله: أن يبقوا على دين الله جل وعلا، وأن يموتوا وهم مسلمون له سبحانه وتعالى.
وهذا يدفعنا إلى أن نسأل: أي إرث نريد نحن أن نتركه لأبنائنا؟ وما الذي يشغلنا حين نفكر في مستقبلهم؟ إن من حق الأبناء علينا أن نهتم بمعاشهم وتعليمهم وشؤون حياتهم، ولكن هذا كله لا ينبغي أن يصرفنا عن الغاية الكبرى: أن ننشئهم عبادًا لله تعالى، وأن يكون الدين والعبودية لله سبحانه من أعظم ما نورثهم إياه.
حين تعيد العبودية لله تعالى ترتيب أولويات الأسرة
ومن الآيات العظيمة التي ينبغي أن نتوقف عندها ونحن نراجع أولوياتنا الأسرية، قول الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [طه: 132]. وعندما نتفكر في هذا التوجيه الرباني، وما الذي قدّمه الله سبحانه وتعالى فيه، وما الذي طمأن عبده إليه، نجد ترتيبًا مختلفًا لألويات الأسرة المسلمة، فلو سألنا أبًا: ما أولوياتك في أسرتك؟ ربما كانت إجابته أن يوفر لأبنائه حياة كريمة، وأن يؤمّن احتياجاتهم، ويدخلهم أفضل المدارس والجامعات، ويضمن لهم مستقبلًا جيدًا، وهذه كلها أمور مهمة، لكن أين تأتي عبادة الله سبحانه وتعالى في ترتيب هذه الأولويات؟
لقد جاء الأمر واضحًا في الآية الكريمة: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾، ثم جاء بعده مباشرة: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾، وكأن هذه الآية تعيد توجيه أنظارنا إلى ما ينبغي أن يتقدم في اهتمامنا؛ فلا ننشغل بطلب الرزق وتأمين أسباب المعيشة حتى نغفل عن مسؤوليتنا الأساسية التي سنسأل عنها يوم القيامة وهي تعبيد أنفسنا وأهلينا لله سبحانه وتعالى. وهذا لا يعني أن نترك العمل أو السعي في الرزق والأخذ بالأسباب الموجبة له، وإنما أن نضعه في موضعه الصحيح، فلا يتحول إلى هَمٍّ يستغرق حياتنا، حتى تصبح شؤون العبادة والتربية على الدين أمرًا مؤجلًا أو ثانويًا، كما نرى في واقع كثير من الأسر من حولنا.
ومن اللافت في الآية هنا أن الأمر لم يأت بالصلاة وحدها، وإنما جاء معه الاصطبار عليها؛ بما يدل على أن التربية على العبادة تحتاج إلى متابعة وصبر وجهد مستمر من الوالدين، وليست مجرد أوامر يوجهانها إلى أبنائهما. وقد خُصّت الصلاة بالذكر لعظيم منزلتها في الدين، فهي عمود الإسلام، ومن أعظم ما ينبغي أن تحرص الأسرة على إقامته في حياتها.
وهنا نحتاج أن يسأل كل أب نفسه، وتسأل كل أم نفسها: ما أولوياتي الحقيقية في هذه الأسرة؟ وما الذي يأخذ النصيب الأكبر من اهتمامي وجهدي ووقتي؟ وهل تعكس قراراتي أنني أريد أن أبني أسرة عابدة لله سبحانه وتعالى، أم أنني أقول ذلك، بينما تسير حياتنا وفق أولويات أخرى؟
آثار تُرى في القرارات الأسرية
ولا يقتصر أثر هذا الترتيب على تفاصيل الحياة اليومية، وإنما تظهر آثاره كذلك في القرارات الكبيرة التي تتخذها الأسرة؛ فلنفترض مثلًا أن أبًا يفكر في السفر إلى بلد آخر طلبًا للرزق، وأن يترك زوجته وأبناءه في بلدهم، قد تكون لديه أسباب تدعوه إلى ذلك، وقد يضطر إليه فعلًا بسبب ظروف الحياة، وليس المقصود أن هذا القرار خطأ في كل الأحوال، ولكن هل يفكر حين يتخذه فيما سيترتب عليه من أثر في أسرته في ضوء الغاية الكبرى التي يسعى إلى تحقيقها؟ هل يستطيع أن يحافظ على مسؤوليته في تربية أبنائه على عبادة الله سبحانه وتعالى؟ وكيف ستتأثر علاقته بزوجته وأبنائه؟ وهل ما سيحققه من مكاسب مادية يوازي ما قد يترتب على غيابه من آثار تربوية وأسرية ودينية واجتماعية؟ وما السبيل الممكن لتخفيف أضرار ذلك والحفاظ على الأولوية العليا حين نضطر إليه؟
إن هذه الأسئلة والإجابة عليها ينبغي أن تكون حاضرة قبل اتخاذ القرار، فلا ينظر إلى الرزق وحده وكأنه المعيار الوحيد الذي تُبنى عليه الاختيارات، فالرزق بيد الله سبحانه وتعالى، وهو الذي تكفّل بأرزاق عباده، وأمرهم بالسعي والأخذ بالأسباب، دون أن ينصرفوا بذلك عما أمرهم به، والعاقبة للتقوى. فإن لم يكن من السفر بدّ، فثمة ما يمكن فعله للحفاظ على الأولوية العليا: تواصل منتظم وهادف مع الزوجة والأبناء، وحضور مؤثر في حياتهم رغم البعد، ومشاركة مستمرة في القرارات التربوية، ومتابعة لتوجيه الأبناء وتربيتهم، وقد يكون هذا من حسنات تطور وسائل الاتصال وتوفرها في عصرنا.
والأمر نفسه في قرارات أخرى: كاختيار مدرسة الأبناء، ومكان السكن، وطبيعة العمل ومواعيده؛ فحين تسأل الأسرة نفسها: هل تعيننا هذه المدرسة على تنشئة أبنائنا عبادًا لله سبحانه، أم تضعف ذلك؟ وهل يقرّبنا هذا الحي من بيئة صالحة أم يبعدنا عنها؟ وهل يترك لنا هذا العمل وقتًا للصلاة والتربية والجلوس مع الأبناء؟ فإنها بذلك توسّع دائرة حساباتها، فلا تقتصر على فرص العمل والدخل ومستوى المعيشة، وإنما تنظر كذلك في أثر اختياراتها على الغاية التي تسعى إلى تحقيقها، ومدى إعانتها على تربية أبنائها على عبادة الله جل وعلا، وحين تصبح العبودية لله سبحانه وتعالى هي الأصل الذي ننطلق منه، فإن طريقة تفكيرنا في القرارات ستختلف، كما سيختلف ترتيب ما نقدم وما نؤخر.
كيف نجعل العبودية لله حاضرة في حياتنا الأسرية؟
قد نتفق على أن غايتنا هي عبادة الله سبحانه وتعالى، وأن هذه الغاية ينبغي أن تتقدم في أولوياتنا، ولكن السؤال الأهم: كيف ننقل هذا المعنى من كونه غاية نتحدث عنها إلى حقيقة نعيشها في تفاصيل حياتنا؟ وهنا يمكن أن نقف عند ثلاثة أمور أساسية:
أولًا: أبدأ بنفسك.
قبل أن يسأل الأب أو الأم كيف يربي أبناءه على العبادة، لا بد أن يبدأ بالسؤال عن نفسه: كيف أرى أنا نفسي أصلًا؟ هل أرى نفسي أبًا مسؤولًا عن توفير احتياجات أسرته، أو زوجًا له مسؤولياته، أو إنسانًا له عمله وطموحاته ومساره المهني؟ وهل ترى الأم نفسها زوجة، أو أمًّا ترعى أبناءها، أو امرأة لها عملها وأهدافها وطموحاتها؟ كل هذه أدوار ومسؤوليات مهمة، لكن هل هي التعريف الأول الذي ننطلق منه في فهم أنفسنا؟ أم أن التعريف الأول لكل واحد منا أنه عبد لله سبحانه وتعالى، وأن بقية الأدوار والمسؤوليات ينبغي أن تنطلق من هذه العبودية؟
إن هذا التعريف ليس مجرد وصف نضيفه إلى بقية الأوصاف، وإنما هو الأصل الذي ينبغي أن يحكم نظرتنا إلى أنفسنا وحياتنا.
فحين يرى الأب نفسه عبدًا لله تعالى قبل أن يكون أبًا وزوجًا وصاحب عمل، وحين ترى الأم نفسها أَمَةً لله تعالى قبل أن تكون أمًّا وزوجة وصاحبة مسؤوليات، فإن هذا المعنى سينعكس على الطريقة التي يؤدي بها كل منهما أدواره، وعلى اختياراته وطموحاته وعلاقاته، وعلى ما يقدمه وما يؤخره في حياته.
ولهذا فإن البداية لا تكون دائمًا بالسؤال عما ينبغي أن نعلمه لأبنائنا، وإنما بالسؤال عما استقر في نفوسنا نحن من حقيقة العبودية لله سبحانه وتعالى، وكيف يظهر هذا المعنى في حياتنا.
فالأبناء لا يتعلمون معنى العبودية مما نقوله لهم فحسب، وإنما يتعلمونه كذلك مما يرونه فينا؛ في صلاتنا، وصدقنا، وتعاملنا معهم، وفي الطريقة التي نختار بها ونقرر، ونقدم فيها ما يرضي الله سبحانه وتعالى على ما تهواه نفوسنا.
ثانيًا: أن نوسّع مفهوم العبادة ليشمل تفاصيل الحياة
حين نسأل أبناءنا أو اليافعين واليافعات: ماذا يعني أن نعبد الله سبحانه وتعالى؟
غالبًا ما تأتي الإجابات مرتبطة بالصلاة والصيام وقراءة القرآن، وهي بلا شك من أعظم العبادات، ولكن مفهوم العبادة أوسع من ذلك، فنحن نحتاج إلى أن نربي أبناءنا على أن عبادة الله تعالى ليست منفصلة عن تفاصيل حياتهم اليومية، وأن أعمالهم المعتادة يمكن أن تكون مجالًا للعبادة إذا كانت مشروعة، وصلحت فيها النية، وأُدّيت على الوجه الذي يرضي الله سبحانه وتعالى.
حتى شربة الماء التي نشربها، يمكن أن تكون مناسبة لاستحضار العبودية لله؛ حين نتذكر أن الله سبحانه وتعالى هو الذي رزقنا هذا الماء، وأننا نعيش بنعمه وتحت رحمته، فنشكره على ما أنعم به علينا، وهكذا ينبغي أن ننتقل بهذا المفهوم إلى الدراسة، وترتيب الغرفة، والتعامل مع الإخوة، وأداء المسؤوليات اليومية، وغيرها من تفاصيل الحياة. فبدل أن يبقى حديثنا مع الأبناء محصورًا في المطالب الدنيوية وحدها، نحتاج إلى أن نربط هذه الأعمال بمعناها الأوسع، وبما يجعلها متصلة بعبوديتهم لله سبحانه وتعالى. فحين يدرس الابن، لا يكون حديثنا معه عن الدرجات والنجاح وحدهما، وإنما نعينه على أن يستحضر كيف يكون طلبه للعلم عملًا صالحًا ينتفع به وينفع غيره. وحين نطلب منه ترتيب غرفته، نربط ذلك بتحمل المسؤولية وحسن القيام بما عليه. وحين يتعامل مع إخوته، نذكره بما يحبه الله سبحانه وتعالى من العدل والإحسان والرحمة. وهكذا نغرس معنى العبودية في المواقف التي تتكرر في حياة الأسرة، بدل أن يبقى محصورًا في أوقات أداء الشعائر.
إننا لا نريد أن يعيش الأبناء حياتهم في جانب، وعبادتهم لله تعالى في جانب آخر؛ وإنما نريد أن يتعلموا كيف تكون حياتهم كلها قائمة على عبوديته سبحانه وتعالى، وأن تصبح هذه العبودية أصلًا في نظرتهم إلى أعمالهم وعلاقاتهم ومسؤولياتهم.
ثالثًا: أن نجعل رضا الله تعالى المرجعية العليا لسلوك الأبناء
من الأمور المهمة في التربية على العبودية لله سبحانه وتعالى أن ننتبه إلى المرجعية التي نربط بها سلوك الأبناء؛ فكثيرًا ما نطلب من الطفل أن يفعل أمرًا ما لأنه يرضي أمه أو أباه، أو أن يترك سلوكًا لأنه يغضبنا، حتى تصبح استجابته مرتبطة برضانا نحن، لا بما ينبغي أن يفعله بوصفه عبدًا لله تعالى. لكننا حين نريد أن نربي أبناءنا على العبودية لله، فلا بد أن نعيد توجيه هذا المعنى.
فلا يكون المطلوب من الطفل أن يفعل الخير فقط حتى ترضى عنه أمه، أو أن يؤدي ما عليه لمجرد الاستجابة لأبيه، وإنما نعلمه أن يفعل الصواب لأنه عبد لله سبحانه وتعالى، وأن يكون رضا ربه جل وعلا حاضرًا في اختياراته وأفعاله، وهذا لا يعني إلغاء مكانة الوالدين أو أهمية الاستجابة لتوجيهاتهما، وإنما يعني أن نربط هذه الاستجابة بمرجعيتها الأعلى؛ فالغاية ليست أن يصبح الطفل مطيعًا لنا فحسب، وإنما أن يتعلم طاعة الله تعالى، وأن يدرك أن سلوكه ينبغي أن ينطلق من عبوديته له سبحانه.
ومع تكرار هذا المعنى في المواقف التربوية المختلفة، نربط توجيهاتنا لأبنائنا بما أمر الله سبحانه وتعالى به في كتابه الكريم، وما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نهى عنه؛ فنقول لهم: افعلوا هذا لأن الله تعالى أمر به، واجتنبوا هذا لأنه مما نهى عنه. وهكذا يتعلم الأبناء شيئًا فشيئًا أن أفعالهم لا ينبغي أن تكون محكومة برضا الوالدين أو غضبهما فحسب، وإنما بكونهم عبادًا لله سبحانه وتعالى، يسعون إلى فعل ما يرضيه، حتى حين لا يراقبهم أحد.
وهذا يقتضي أن نراجع نحن المربين نظرتنا إلى طاعة الأبناء؛ فلا نجعل طاعتهم لنا غاية التربية، ولا نختزل نجاحنا في قدرتنا على حملهم على الاستجابة لأوامرنا، وإنما نجعل طاعتهم لنا وسيلة لتربيتهم على طاعة الله سبحانه وتعالى، وفق ما شرعه من حقوق وواجبات. وقد تناولنا هذه المسألة بتفصيل أوسع في مقال حين لا تكون الطاعة هي الغاية: كيف نفهم حدود الطاعة في التربية؟
حين تكون العبودية لله غاية الأسرة
إن بناء الأسرة على العبودية لله سبحانه وتعالى ليس مجرد حرص على أن يؤدي أفرادها بعض العبادات، وإنما هو بناء لحياة تتوجه إلى الله جل وعلا بغاياتها وأعمالها واختياراتها. تبدأ هذه العبودية من الوالدين حين يعرف كل منهما نفسه عبدًا لله تعالى قبل أي دور آخر، ثم تمتد إلى ما يغرسانه في نفوس أبنائهما، وما يقدمانه وما يؤخرانه في حياتهما، وما يجعلانه مرجعًا في التربية والتوجيه.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نعود إليه كلما انشغلنا ببناء مستقبل أبنائنا: هل نبني لهم حياة ناجحة بمقاييس الدنيا فحسب، أم نعينهم على أن يكونوا عبادًا لله سبحانه وتعالى، يعرفون الغاية التي خُلقوا من أجلها، ويسعون إلى تحقيقها في كل شأن من شؤون حياتهم؟
